ابن الجوزي

295

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

والمعصوم يطلع من جهة الله تعالى على جميع أسرار الشرائع ، ولا بد في كل زمان من إمام معصوم يرجع إليه . هذا مبدأ دعوتهم . ثم يبين أن غاية مقصدهم نقض الشرائع ، لأن سبيل دعوتهم ليس متعينا في واحد ، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه [ 1 ] ، لأن غرضهم الاستتباع . وقد ثبت عنهم أنهم يقولون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما [ 2 ] من حيث الزمان ، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني ، واسم العلة السابق ، واسم المعلول التالي ، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي ، لا بنفسه ، وقد يسمون الأول عقلا ، والثاني نفسا ، والأول تاما ، والثاني ناقصا ، والأول لا يوصف بوجود ، ولا عدم ، ولا موصوف ، ولا غير موصوف . فهم يومئون إلى النفي ، لأنهم لو قالوا معدوم ما قبل منهم ، وقد سموا هذا النفي تنزيها ، ومذهبهم في النبوات قريب من مذهب الفلاسفة ، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من العقل السابق بواسطة الثاني [ 3 ] قوة قدسية صافية ، وأن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ، لا أنه [ 4 ] شخص ، وان القرآن هو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل ، فسمي كلام الله مجازا ، لأنه مركب من جهته ، وهذه القوة الفائضة على النبي ، لا تفيض عليه في أول أمره ، وإنما تتربى كنطفة . واتفقوا على أنه لا بد في كل عصر / من [ 5 ] إمام معصوم قائم بالحق ، يرجع إليه في تأويل الظواهر ، وحل الإشكال في القرآن والأخبار ، وأنه يساوي النبي في العصمة ، ولا يتصور في زمان واحد إمامان ، بل يستظهر الإمام بالدعاة ، وهم الحجج ، ولا بد للإمام من اثني عشر حجة ، أربعة منهم لا يفارقونه . وكلهم أنكر القيامة ، وقالوا : هذا النظام وتعاقب الليل والنهار ، وتولد الحيوانات لا ينقضي أبدا ، وأوّلوا القيامة بأنها رمز إلى خروج الإمام ، ولم يثبتوا الحشر ولا النشر ،

--> [ 1 ] في ك : « رأيهم » . [ 2 ] في الأصل : « لواحد منهما » . [ 3 ] في ك : « عليه من السابق بقوة التالي » . [ 4 ] في ك : « إلا أنه » . [ 5 ] في ك : « كل عصر على إمام » .